" الزراعة أم الأثاث هي الحرفة الأم في دمياط؟
"
بالتأكيد لديك انطباع أولي عن مدينة الأثاث الدولية التي تصدر المصنوعات الخشبية لأرقى الأماكن في الدول العربية والغربية
فقد صدرت فقط في الخمسة أعوام الأخيرة بما يقدر بـ 906.5 مليون دولار؛ أي: ما يقارب المليار دولار تقريباً
وذلك حسب الأرقام المعلنة من المجلس التصديري المصري للأثاث
ففي عام 2021 كان نصيب المحافظة من إجمالي صادرات الأثاث المصرية 161 مليون دولار
وفي العام 2023 كان بمقدار 205.5 مليون دولار
وفي العام المنصرم قفز نصيب المحافظة في الصادرات الخشبية لـ 321 مليون دولار! بما يوازي أكثر من 80% من إجمالي صادرات مصر في تلك الصناعة
ما يظهر حقاً مدى التطور الذي شهدته مؤخراً في النمو في صناعتها الأم والرئيسية، التي دوماً اشتهرت بها محلياً وعالمياً
لكن … ما يصدمك بحق أن تلك الأرقام المتصاعدة هي بالنسبة للمحافظة انتكاسة شهدتها بسبب عدم الاستقرار السياسي الذي صاحب البلاد إثر ثورة 2011
فقد حققت المحافظة عام 2010 قبل ثورة يناير بعام واحد، صادرات أثاث بقيمة 345 مليون دولار! وذلك حسب نفس المصدر
أما الجزء الخفي لمحافظة دمياط، وغير الظاهر للكثيرين لطغيان المحافظة وشهرتها ومدى جودتها في صناعة الأثاث، وتوحشها في التوسع فيه؛ هو البقعة الزراعية للمحافظة
فنظراً لموقعها الجغرافي الواقع في أواخر الدلتا ونهر النيل، فتتميز أراضيها بالخصوبة الشديدة والمناسبة لأغلب المحصولات الزراعية
فالمحافظة تكاد تكون تطفو على الماء
يعلوها البحر المتوسط شمالاً، حيث يلتقي بانتهاء شريان نهر النيل الذي يمر بمنتصفها مما يمثل شريان حياة للأراضي الزراعية في المحافظة
أهم المحصولات الزراعية في محافظة دمياط
فتبلغ المساحة الإجمالية للرقعة الزراعية داخل المحافظة مائة وخمسة عشر ألف فدان (115 ألف فدان) على أقصى الإحصائيات بما يمثل تقريباً خمسين في المائة (50%) من مساحة المحافظة الكلية
بما يؤكد أهمية الرقعة الزراعية داخل المحافظة وما تمثل من ركن أساسي قوي، ورئتين تتنفس بهما المحافظة، وتساهم في إنعاش المحصول الزراعي المصري
فبالرغم من توحش المحافظة في صناعة الأثاث، ووجود ميناء ضخم في المحافظة، مما يجعلها قلعة صناعية متوحشة، فإنها كذلك تكاد تلتهم الأسواق في بعض المحصولات الزراعية التي تنافس بها بشدة في السوق المصري المحلي.
فالرقعة الزراعية في المحافظة تنتعش بزراعة القمح المصري، فقد حظي بمساحة واسعة من الاهتمام الخاص لدى الفلاحين الدمياطيين لمناسبة طبيعة الأرض الخصبة له
فقد استحوذ وحده على ستة وعشرين ألف فدان من المساحة الزراعية في المحافظة!
كذلك الأرز يتناسب تماماً مع طبيعة الأراضي الزراعية في المحافظة، نظراً لاحتياجه لكميات ضخمة من الماء لزراعته، وخصوبة أرض عالية، وهذا أهم ما تتميز به طبيعة التربة في الرقعة الزراعية للمحافظة
ومع ذلك لم يكتف الفلاحون الدمياطيون بمحصولين استراتيجيين يقوم عليهما الأساس الزراعي لهم، بل ضموا للأرز والقمح محصولاً استراتيجياً ثالثاً لا غنى عنه بالنسبة لمصر، وهو القطن طويل التيلة الذي طالما اشتهرت به مصر، بل كان وما زال يتهافت عليه العالم من كل حدب وصوب بما يمتاز به من سهولة في التصنيع وخصائص ممتازة لا تتوفر في سلالات أخرى من القطن، حتى الأنواع الأغلى في الثمن
ومع تراجع الرقعة الزراعية المخصصة للقطن طويل التيلة في جميع أنحاء الجمهورية، إلا أن المحافظة ما زالت تحتفظ بحصةٍ من إنتاج ذلك النوع من القطن المصري لتنفرد، وتنافس به جميع المحافظات الزراعية
فبالرغم من كون المحافظة متوحشة في صناعة الأثاث ولا تقترب منها أية محافظة في مصر ولا في الوطن العربي، وتنفرد بصدارة الأثاث في الشرق الأوسط بأكمله، رغم اشتداد المنافسة مع المصنوعات التركية، ودخول الصين للمنافسة في السوق الذي تسيطر عليه المحافظة، إلا أنها كانت وما زالت المصدر الأول العالمي، ومتمكنة تمكناً كلياً من السوق للآن
أهم الخضروات التي تنتجها المحافظة
أما عن الخضروات التي تنتجها المحافظة، فحدث ولا حرج
فالرقعة الزراعية لدى العملاق الصناعي المصري تنتج محصولات من الخضروات الأساسية التي تستخدم يومياً في الغذاء والطعام، مثل: الطماطم، البطاطس، والبصل
فتستخدمها المحافظة للاستهلاك المحلي لها لتقليل الاعتماد على الواردات من المحافظات الأخرى، ومحاولة للاكتفاء الذاتي من الخضروات الأكثر استهلاكاً لدى القاطنين في المحافظة، وتقليل أسعارها رأفةً بالمواطنين ومحدودي الدخل من سكانها
وكما أخبرناك سابقاً بتمتع المحافظة ببيئة زراعية فريدة تجمع بين التربة الطينية الخصبة في الدلتا والتربة الرملية على الشريط الساحلي؛ فهذا التنوع يجعلها تنتج مجموعة مميزة جداً من الفواكه التي تشتهر بها في جميع أنحاء مصر، والتي على رأسها: الجوافة
يجول بها البائعون شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً صائحين بـ "جوافة السنانية يا جوافة" أو "الجوافة الدمياطي" في المناطق البعيدة نسبياً عن المحافظة
فتنفرد الجوافة الدمياطي بنفاذية رائحتها، والحلاوة في طعمها التي تجعل اللعاب يسيل داخل الفم فور اقترابها من الثنايا، وقبيل إطباق شفتيك عليها بإحكامٍ مقتطعاً جزءاً يفرض الابتسام على ثناياك من فرط النشوة النابعة من استمتاع خلايا براعم التذوق على سطح لسانك
كما أن حجم الحبة الواحدة منها كبير نسبياً مقارنة بحجم الحبة من نفس نوع الفاكهة المزروعة في أماكن أخرى في جمهورية مصر العربية؛ وأكثر الأماكن إنتاجاً لها هي:
كفر البطيخ، السنانية، وبعض القرى المحيطة بهما
ونعم، هناك مدينة كاملة تسمى بكفر البطيخ مع أنها لا تركز على زراعة البطيخ :D
كما أن الرقعة الزراعية لدى المحافظة تتبنى زراعة بعض من الموالح كالبرتقال، اليوسفي، والليمون
وليمونها له ذات السمعة الجيدة والمنتشرة في أرجاء جمهورية مصر العربية، وقد استغل بعض الفلاحين ذلك ورفعوا من سعره في أحيانٍ كثيرة لولا تدخل الحكومة لقمع الجشع الناتج من بعض المزارعين
ومما لا تعرفه عن القوة الضاربة فيما تمتاز به محافظة دمياط من المحاصيل الزراعية هي التمور والبلح، بثروة قومية من مئات الآلاف من النخيل في أغلب أماكن المحافظة
ما ينتجه النخيل في الرقعة الزراعية للمحافظة
فتنتج أنواع البلح الأكثر جودة في مصر، كالبلح الزغلول (الأحمر)، والبلح السماني (الأصفر)، والبلح الحياني (الأسود)
فموسم حصاد البلح من أعلى أغصان النخيل يمثل نقلة اقتصادية كبيرة في كل موسم من مواسمه عند الفلاحين الدمياطيين
ولعلك تعلم يا صديقي أن التمور تتواجد حيث يتواجد النخيل، ولذلك من البديهي أن تنتجها الرقعة الزراعية في المحافظة، لكن دعني أوقفك هنا هنيهةً وأخبرك أن هناك قلة قليلة من التمر المزروع في نخيل دمياط، وذلك بسبب الطبيعة التي يحتاجها أغلب أنواع التمور من: المجدول، السكوتي، البرتمودا، الأبريمي، المليكاني؛ ولكل نوعٍ منهم طبيعة جغرافية خاصة ينشأ فيها ويثمر، ولا تناسب للأسف طبيعة الرقعة الزراعية للأراضي في المحافظة أنواع التمور
ولذلك كان قرار استبدال التمور بأنواع البلح قراراً حكيماً جداً من المزارعين؛ وبالرغم من تشابه النوعين في الشكل، إلا أن الاختلاف بيّن في جميع الأصناف من كلا النوعين، والأطعم، والفوائد كذلك
حتى أكل الماشية تساهم في زراعته البقعة الزراعية في دمياط، فتنتج كميات ضخمة من البرسيم في فصل الشتاء، الغذاء الأساسي للثروة الحيوانية
المشاكل التي تواجه الرقعة الزراعية في دمياط:
هل ترى ذلك الكم من الإنتاجية العالية التي تتمتع بها المحافظة من تنوع في المحاصيل الموسمية والاستراتيجية؛ مع العلم أننا لم نتطرق لكافة المحاصيل المنتجة، لكن فقط الأشهر والأكثر توسعاً في الإنتاج
ولم نذكر على سبيل المثال: المانجو أو العنب، أو التين الشوكي
جميعها يتم زراعتها في المحافظة، وتساهم بشكلٍ مقبول في مخزونها لدى وزارة الزراعة المصرية، لكن ليست المحصولات الأشهر كما ذكرنا سابقاً
والمحاصيل التي تنتجها البقعة الزراعية في المحافظة كثيرة؛ يمكنك رؤية أغلبها من هنا لينك ويكيبيديا.
فبالرغم من ذلك إلا أن هناك عقبات ضخمة تحول كعائق بين المزارعين ومضاعفة ذلك الإنتاج للضعف على أقل التقديرات
من هذه المشكلات مثلاً على سبيل المثال لا الحصر:
- مشكلة ملوحة التربة وتداخل مياه البحر على التربة الزراعية، وذلك بسبب موقع المحافظة الجغرافي ذاته!
أي أن الميزة التي تتمثل في موقعها تمثل في ذات الوقت عائقاً هائلاً أمام التنمية الزراعية، بل وتهدد المساحات الخضراء بالفعل.
فتداخل مياه البحر الأبيض المتوسط في التربة والمياه الجوفية على المدى البعيد يسبب جفافاً للتربة، كما أن انخفاض منسوب النيل في بعض فصول السنة يساهم في دخول مياه البحر بشكلٍ أعمق مما يسرع عملية الجفاف بشكل نسبي.
كما أن مشكلة مياه البحر ليست الوحيدة التي تواجه المزارعين الدمياطيين
- فالتعديات العمرانية على ضفاف ومياه النيل تجر الجفاف حتماً خلفها، وتجعل من وقوعه أمراً حتمياً لا فرار منه!
فبسبب الكثافة السكانية المتزايدة، تضيق المساحة العمرانية القابلة للبناء، والمصرح بها من الجهات الرسمية، لدرجة شبه منعدمة؛ وارتفاع الأسعار الجنوني في مناطق البناء المتبقية بما لا يقدر عليه أغلب قاطني المحافظة، مما يجبر العديد من السكان للاتجاه للمناطق الزراعية والتعدي عليها بالبناء المخالف وتبويرها
بل والأدهى من ذلك أن الكثير من مصنعي الأثاث يعتدون على الأراضي الزراعية لبناء مخازن للأخشاب أو الموبيليا، وذلك لأن الأراضي الزراعية في مناطق معينة تكون أبخس سعراً من غيرها من الأراضي الأخرى
فيذهب البعض لشرائها طامعين في توفير بعض المصروفات الإنشائية؛ غير آبهين للقانون ولا بما يمثلوه من خطر على المجتمع
ولا تنتهي مشاكل الفلاح في دمياط عند ذلك الحد،فيصاحبه
- الارتفاع الجنوني في أسعار المستلزمات الزراعية
فهو كغيره من باقي مزارعي جمهورية مصر العربية يجدون صعوبة جمة في اللحاق بأسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي
فالأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية التي تقضي على الآفات والتقاوي المناسبة للمحاصيل غير متواجدة بكميات مناسبة في الجمعيات الزراعية، بل تتناقص الكميات المتوفرة كل فترة عن التي قبلها
مما يدفع المزارع الدمياطي والمصري بشكل عام للذهاب لشرائها من الأماكن غير المدعومة من وزارة الزراعة، فتترك الوزارة الفلاح وحيداً في مقابلة الغلاء المرتبط بالمستلزمات التي يرعى بها محصوله ويحافظ عليه
فصار المزارع المصري غير قادر على تطوير حياته لا من مأكل ولا من مشرب، وتظل تنحدر بشكلٍ مستمر!
فإفلات اليد الداعمة وغض الطرف عن مساندة الركيزة الأولى من الركائز الأساسية في الزراعة سيجعلها تتداعى بشكل أسرع من المتوقع
ولم تنتهِ المشاكل بعد، فهناك
- غياب الميكنة الحديثة عن الفلاح الدمياطي
فما زالت أغلب أراضي الرقعة الزراعية لدمياط تعتمد اعتماداً كلياً على الأساليب التقليدية للري وجني المحاصيل.
كما يواجه المزارع الدمياطي، خاصةً ذلك الذي يزرع الفاكهة، مشكلة عدم التحكم في أسعاره مهما بلغت كمية إنتاج أرضه من المحصولات!
وذلك لأنه متعرض بشكل كلي للوقوع تحت رحمة الوسطاء بينه وبين التاجر، بل ويكون تحت رحمة التجار أنفسهم، وذلك لعدم وجود منظومة تفرض سيطرتها على السوق؛ سواء كانت بدعم من الحكومة أو مدعومة بمجالس عرفية برئاسة كبار التجار وبمعاونة من وزارة الزراعة والجهات الرقابية
فما عرفته الآن هو جزء من المشكلات لا كلها؛ فكما اعتدنا سوياً على ذكر الأشهر والأكثر تأثيراً
فمن خلال قراءتك لما يخص الزراعة في دمياط، ومعرفة أهم المشاكل التي تواجه المزارع الدمياطي، هل يمكنك أن تطرح حلولا تساعد على حل تلك المشاكل والمساهمة في تنمية الرقعة الزراعية في دمياط؟
انشر كتابك على موقع أسرد
هل لديك كتاب، أو قصة رائعة تريد نشرها؟
انضم إلى منصة أسرد وشارك إبداعك مع آلاف القرّاء!
📩 للنشر والإعلان، تواصل معنا عبر هذا الرابطما رأيك في المقال؟ هل تعتقد أن الإصلاحات تنبع من الخوف على المصلحة العامة والانتفاع بها، أم النفع الشخصي؟
شاركنا رأيك في التعليقات، أو عبر صفحتنا على فيسبوك من >>هنا <<
انضم إلى منصة أسرد وشارك إبداعك مع آلاف القرّاء!
📩 للنشر والإعلان، تواصل معنا عبر هذا الرابط
شاركنا رأيك في التعليقات، أو عبر صفحتنا على فيسبوك من >>هنا <<
